بناء منظومة رأس المال الجريء الفلسطينية
أصوات الصناعة

بناء منظومة رأس المال الجريء الفلسطينية

[قراءة 7 دقائق]

بواسطة Bayanat١١ شباط ٢٠٢٦

أسَّست أمبر عملةصندوق ابتكار (Ibtikar Fund) لسدّ فجوةٍ جوهرية في منظومة الشركات الناشئة الفلسطينية، تمثّلت في غياب رأس المال في المراحل المبكرة. وفي هذا الحوار ضمن سلسلة أصوات الصناعة، تشارك أمبر الدروس المستخلصة من إدارة صندوقين انطلاقاً من فلسطين، وتتناول تحدّيات جمع التمويل في ظروف غير مسبوقة، كما تقدّم رؤيتها للنموّ المستدام في عالم تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي.


من تطوير المنظومة إلى رأس المال الجريء


لم يكن دخول أمبر إلى عالم رأس المال الجريء تقليدياً. فمع خلفيةٍ في التسويق، وحصولها على ماجستير إدارة الأعمال، انجذبت إلى الجوانب الإنسانية والعملية في الأعمال، أكثر من انجذابها إلى التمويل البحت. وبعد انتقالها إلى فلسطين، أسَّست مبادرة فلسطين لبداية جديدة (Palestine for a New Beginning – PNB)، وهي منظمة ركّزت على توظيف الشباب في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

ضمّ مجلس إدارة المبادرة كبرى جهات التوظيف الفلسطينية، مثل بنك فلسطين، وشركة الاتصالات الفلسطينية PALTEL، إلى جانب شركات راسخة أخرى. غير أنّ هذه المؤسسات، على اختلافها، واجهت القيد نفسه: نموٌّ محدود بفعل الاحتلال، وضيق حجم السوق. ونتيجةً لذلك، أصبح خلق فرص العمل أمراً بالغ الصعوبة. وهنا تبلور الحلّ بوضوح: إنشاء شركاتٍ جديدة.

من خلال مبادرة PNB، نظّمت أمبر Hackathons، وبرامج تدريب، وفعاليات لريادة الأعمال. لكنّ نمطاً مقلقاً أخذ في الظهور. تقول أمبر: "كانت الشركات تنتقل من مسابقة إلى أخرى للفوز بمبالغ تتراوح بين 20 و30 ألف دولار، لكنّ ذلك لم يكن كافياً للنموّ الحقيقي".


لماذا ابتكار؟


كانت تجارب الصناديق السابقة في فلسطين محدودة النجاح. فقد استثمر أحدها مبالغ كبيرة في منظومة لم تكن جاهزة بعد، بينما كان صندوق آخر معقّداً وثقيلاً على الشركات الناشئة في مراحلها الأولى، خصوصاً مع شروطه التمويلية الصارمة. وما احتاجته المنظومة فعلياً كان صندوقاً أصغر، يعتمد استثمارات مرحلية، قادرة على مرافقة الشركات في بداياتها الأولى.

من هنا وُلد صندوق ابتكار.


الصندوق الأول: إثبات الفكرة


في عام 2016، أطلقت أمبر، بالشراكة مع حبيب حزان، صندوق ابتكار الأول بحجم 10 ملايين دولار. وكانت الاستراتيجية واضحة: الشراكة مع مسرّعات الأعمال، تمويل خدماتها، ضخّ سيولة نقدية في الشركات، ثم متابعة الاستثمار في تلك التي تُظهر مؤشّرات أولية على النجاح.

استثمر الصندوق في 27 شركة (من دون احتساب الاستثمارات اللاحقة)، وغالباً ما كان يموّل فكرةً فقط، مع مؤسِّسَين أو ثلاثة. توضّح أمبر: "كنا نستثمر أحياناً في عرض تقديمي PowerPoint فقط، على أمل أن يبني الفريق نموذجاً أولياً ويحقق جذباً أولياً".

وكانت النتيجة متوقعة في هذا المستوى المبكر؛ إذ شُطِبت العديد من الاستثمارات الصغيرة خلال أشهر. لكنّ الهدف لم يكن العائد السريع، بل التحقّق. تقول أمبر: "كنّا بحاجة إلى إثبات أنّه يمكن الاستثمار من فلسطين، وبناء شركات ناشئة، وتنميتها".

وقد نجح الصندوق في ذلك، إذ برزت شركات مثل Mashvisor وCoretava، التي ما تزال تواصل نموّها حتى اليوم. ويعمل الصندوق حالياً في مرحلة التخارج، مع دراسة آليات مبتكرة لإعادة رأس المال إلى المستثمرين.


الصندوق الثاني: تطوّر وتوسّع


مثّل الصندوق الثاني نقلة نوعية. فبحجمٍ قارب 25 مليون دولار، جرى جمعه في ظروف استثنائية، بدأت مع جائحة كوفيد-19، وانتهت خلال الحرب.

وكان العامل الحاسم هو قناعة المستثمرين. فقد أعاد معظم مستثمري الصندوق الأول الاستثمار في الصندوق الثاني، كما ضاعفت مؤسسات تمويل تنموي كبرى، مثل مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وصندوق النموّ الجيد الهولندي (Dutch Good Growth Fund)، التزاماتها في الإغلاق الأول عام 2021. ثم انضمّ مستثمرون ومؤسسات إضافية في الإغلاقات اللاحقة، وصولاً إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في عام 2024.

أدخل الصندوق الثاني تغييرين رئيسيين. أوّلاً، السماح باستثمار ما يصل إلى 30% في فلسطينيي الشتات، ما أتاح فرصاً مع شركات مثل Podeo في لبنان، وMental في أبوظبي. وثانياً، مكّن الحجم الأكبر للصندوق من رفع متوسّط قيمة الاستثمار إلى نحو 500 ألف دولار، مقارنةً بـ150 ألف دولار في الصندوق الأول بعد المسرّعات.

حتى اليوم، نفّذ الصندوق الثاني 17 استثماراً، وغالباً ما يكون أول شيك مؤسسي للشركات الفلسطينية.


قراءة الأنماط والدروس المستفادة


تقول أمبر إنّ الانتقال من الصندوق الأول إلى الثاني كان انتقالاً من التجربة إلى قراءة الأنماط. ومن أبرز الدروس: الحذر من المؤسِّس الفردي. فرغم الاستثمار في بعض الحالات، فُرضت ضوابط صارمة، مثل استقطاب شركاء مؤسِّسين أو دعم إداري رفيع المستوى.

كما شدّد الفريق على حجم السوق. ففي الصندوق الأول، طوّرت شركات حلولاً ناجحة محلياً، لكنها فشلت في التوسّع إقليمياً. أمّا اليوم، فأصبح شرط السوق الكبير غير قابل للتنازل، مع فهمٍ أعمق لما يبحث عنه المستثمرون الإقليميون في جولات التمويل اللاحقة.


معضلة التخارج وحلول مبتكرة


يبقى التحدّي الأكبر هو غياب التخارجات. تقول أمبر بصراحة: "لا شيء يتحقّق فعلياً من دون تخارج". فالصندوق الأول بُني على وعد، والثاني على مؤشّرات أولية، أمّا الصندوق الثالث، فمن شبه المستحيل إطلاقه من دون تخارجات واضحة.

ولهذا، يعمل صندوق ابتكار على حلول خلاّقة. فبعض شركات الصندوق الأول تحوّلت إلى مؤسسات صغيرة ومتوسطة (SMEs) مربحة، لكنها لم تعد ملائمة لمسار رأس المال الجريء. هنا، يجري بحث خيارات مثل شراء الإدارة للأسهم، أو توزيع الأرباح. أمّا الشركات ذات المسار الجريء، فتُبحث لها صفقات ثانوية (Secondaries)، أو فرص استحواذ.

كما أدخل الصندوق الثاني مفهوم "التخارجات المهيكلة" (Structured Exits)، بحيث تبدأ الشركات غير القادرة على الوصول إلى الجولة Series A، لكنها ما تزال مربحة، بإعادة شراء حصص الصندوق ضمن إطار زمني محدّد.


العمل في قلب الأزمات


بين عامي 2023 و2025، واجهت المنظومة تحدّيات غير مسبوقة. فقد أثّرت الحرب في كلّ شيء: قيود الحركة، صعوبات السفر، إغلاق حسابات بنكية، وانسحاب شركاء دوليين. تقول أمبر: "اضطررنا مراراً إلى الانتقال إلى خطط بديلة وثالثة".

ومع ذلك، شكّل العمل ملاذاً للمؤسِّسين. فبما أنّ معظم الشركات تستهدف أسواقاً خارج فلسطين، استمرّ الطلب على خدماتها. وركّز الفريق على إثبات قدرة الشركات الفلسطينية على العمل عالمياً، مستفيدين من دروس العمل عن بُعد التي رسّختها الجائحة.

وبرغم كلّ شيء، خرجت المنظومة بجيلٍ من المؤسِّسين يتمتّعون بمرونة وصلابة استثنائية. "أبقِ رأسك منخفضاً، وواصل العمل"، هكذا تلخّص أمبر فلسفتها.


حالة منظومة الشركات الناشئة الفلسطينية


بعد تباطؤٍ خلال 2023–2025، بدأت الشركات تستعيد زخمها الإقليمي. ويكمن تميّز المؤسِّسين الفلسطينيين في خلفياتهم غير النمطية. فهم غالباً خبراء صناعة، يكتشفون آلاماً حقيقية مهملة، ويطوّرون حلول B2B SaaS للشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة.

كما يعمل صندوق ابتكار على تعريف المؤسِّسين بأدوات تقلّص زمن تطوير المنتجات، وتسرّع الوصول إلى السوق. غير أنّ أمبر تدرك المخاطر، خصوصاً مع تراجع الطلب على الأدوار التقنية التقليدية بفعل الذكاء الاصطناعي، ما يفرض تحدّياً وجودياً: الانتقال من كون فلسطين مصدراً للعمالة، إلى كونها مصدراً للمنتجات.


الذكاء الاصطناعي والنموّ المستدام


ترى أمبر أنّ الذكاء الاصطناعي غيّر معايير التقييم. فلم يعد التفوّق التقني وحده كافياً، بل أصبحت كيفية الدخول إلى السوق، وبناء الحواجز التنافسية، والاحتفاظ بالمستخدمين، هي الأساس.

وتؤمن بأنّ هذا التحوّل يخدم الشركات الفلسطينية، التي اعتادت النموّ المتدرّج، والانضباط المالي، وبناء علاقات عميقة مع العملاء، حتى وإن لم تتّبع منحنيات نموّ حادّة.


مستقبل رأس المال الجريء


تتوقّع أمبر أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل فرق رأس المال الجريء، مع تقليص الأدوار التحليلية التقليدية. وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل القيمة في المهارات التحليلية، أم في فهم البشر، ودعم المؤسِّسين في لحظات عدم اليقين؟

وترى أنّ نموذج الصناديق لعشر سنوات، مع 20% حافز أداء، لم يعد مرناً بما يكفي، وأنّ الابتكار يحتاج إلى هياكل أكثر تكيّفاً مع الواقع.


نظرة إلى 2026


كان عامَا 2024 و2025 الأكبر من حيث الاستثمارات لصندوق ابتكار. ومع التطلّع إلى 2026، يبقى التركيز واضحاً: تنفيذ أوّل التخارجات، ومواصلة نشر الصندوق الثاني، وإثبات أنّ المسار من الهاكاثون إلى النجاح العالمي ممكن للشركات الفلسطينية.

وكما تقول أمبر: "النجاح يولّد التفاؤل؛ مزيداً من الصناديق مثل ابتكار، ومزيداً من الشباب الذين يختارون البناء داخل هذه المنظومة".

كن في الطليعة

انضم إلى مجتمعنا المتنامي من عشاق التكنولوجيا، ولا تفوّت أي قصة، أو رؤية، أو تحديث حول التمويل في قطاع التكنولوجيا المزدهر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.