عرّاب التجارة الإلكترونيّة في MENA
كفاح المؤسسين

عرّاب التجارة الإلكترونيّة في MENA

[قراءة 8 دقائق]

بواسطة Bayanat٢٥ شباط ٢٠٢٦

في هذه النسخة من سلسلة كفاح المؤسسين، جلسنا مع رونالدو مشحور أحد روّاد الإنترنت العربي، وقوّة محوريّة في مسار التحوّل الرقمي والتجارة الإلكترونية في المنطقة. وُلد ونشأ في حلب في سوريا، وأسهم مبكرًا في بناء البنية التحتيّة الأولى للإنترنت في المنطقة. انضمّ إلى الفريق الأوّل وراء منصّة Maktoob، أوّل منصّة بريد إلكتروني باللغة العربيّة في المنطقة، ثمّ أسّس لاحقًا شركة Souq.com، التي أصبحت أكبر منصّة تجارة إلكترونيّة في الشرق الأوسط، وقادها حتّى استحوذت عليها Amazon. وتعكس رحلته، في جوهرها، كيف تعلّمت المنطقة أن تتواصل، وتتاجر، وتتوسّع رقميًا.


الطريق إلى التجارة الإلكترونية


في عام 2000، امتلك سميح طوقان رؤيةً واضحة: إنشاء خدمة بريد إلكتروني كاملة باللغة العربيّة، تُمكِّن المستخدمين في منطقةٍ كانت أنظمة التشغيل فيها توفّر دعمًا محدودًا للّغة العربيّة. انضمّ رونالدو مشحور إلى هذه المبادرة، وساهم في بناء ما أصبح لاحقًا منصّة Maktoob، أوّل منصّة بريد إلكتروني موجّهة بالكامل للمستخدم العربي.

اعتمدت السفارات، والصحفيّون، ومستخدمون من مختلف أنحاء العالم على المنصّة للتواصل بلغتهم الأمّ. ومع مرور الوقت، تطوّرت Maktoob لتصبح واحدةً من أكثر بوّابات الإنترنت تأثيرًا في المنطقة، إذ جمعت بين البريد الإلكتروني، والمنتديات، والمحتوى الذي يُنشئه المستخدمون، وأسهمت في إدخال ملايين المستخدمين العرب إلى العالم الرقمي.

وخلال تلك المرحلة، جرّب الفريق في Maktoob نماذج متعدّدة لتحقيق الإيرادات من منصّةٍ آخذةٍ في النموّ. كانت الإعلانات التقليديّة في المنطقة آنذاك خاضعةً لهيمنة التلفزيون، والراديو، لذلك اتّجهت الشركة إلى اختبار مبادرات في مجال التجارة الإلكترونيّة، مثل "مزاد Maktoob" و"تسوّق في Maktoob"، معتمدةً على تحصيل عمولات من العمليات التي تتمّ عبر المنصّة.

كما أطلقت بطاقة Cashew، وهي بطاقة مدفوعة مسبقًا يمكن استخدامها على منصّات مثل Skype وFacebook، لتشكّل بذلك خطوةً مبكّرة سبقت حلول المدفوعات الرقميّة المنتشرة اليوم.

وبحلول عام 2006، أدرك رونالدو أنّ البوّابات الإلكترونيّة ذات الطابع العام لم تعد كافية لبناء تجارة إلكترونيّة جادّة ومستدامة. فلكي تُبنى الثقة مع التجّار، والعلامات التجاريّة، والعملاء، كان لا بدّ من إنشاء منصّة تجارة إلكترونيّة متخصّصة ومكرّسة بالكامل لهذا الغرض. ومن هذه الرؤية انطلقت عمليّة الفصل التي مهّدت الطريق لتأسيس Souq.com.


إدارة الخروج من Maktoob


شكّل استحواذ Yahoo! على Maktoob لحظةً مفصليّة، غير أنّ أهميّة الصفقة لم تكمُن فقط في ما تضمّنته، بل أيضًا في ما لم تتضمّنه.

يقول رونالدو مشحور: "تلقّينا عروضًا كانت تتضمّن إدراج سوق ضمن عمليّة الاستحواذ، لكنّنا اخترنا ياهو! تحديدًا لأنّها استحوذت على بوّابة مكتوب من دون أن تشمل سوق".

في تلك المرحلة، لم يكن النظام الريادي في المنطقة قد نضج بعد، كما لم تكن شركات التجارة الإلكترونيّة العالميّة قد وجّهت اهتمامها إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA). غير أنّ رونالدو وفريقه رأوا في ذلك تحديدًا نافذة الفرصة. ويوضح قائلًا: "شعرنا بأنّ لدينا الوقت الكافي، وكنتُ على قناعةٍ عميقة بإمكانات سوق".

أثبت الإبقاء على استقلاليّة Souq.com أنّه قرارٌ حاسم. فقد منحهم الخروج من Maktoob هامشًا ماليًا مريحًا، إلى جانب خبرة عمليّة مكّنتهم من البناء على أسسٍ صحيحة. علاوةً على ذلك، أتاحت لهم التجربة تعلّم كيفيّة هيكلة الشركات، والتفكير في الحوكمة، وتفادي الأخطاء التي سبق أن خاضوها بأنفسهم.


بناء Souq على دروس Maktoob


عند إطلاق Souq.com، لم يبدأ رونالدو مشحور من الصفر، بل انطلق مستندًا إلى دروسٍ صعبة اكتسبها خلال تجربته في Maktoob.

يقول رونالدو: "علّمتني مكتوب كيف أبني خدماتٍ قابلة للتوسّع". وقد فرض العمل مع فريقٍ هندسي صغير عليه التفكير بعمق في هندسة الأنظمة، والموثوقيّة، وإدارة الأعطال. ومع انتقال Souq إلى التعامل مع معاملاتٍ حقيقيّة، لا مجرّد حركة زيارات، أصبحت تلك الدروس حجر الأساس في بناء منصّةٍ قادرة على تحمّل النموّ.

وبرزت البساطة كعاملٍ حاسمٍ بالقدر نفسه. فقد أظهرت تجربة Maktoob حقيقةً واضحة: الاحتكاك يقتل التبنّي. ويوضح قائلًا: "كنّا مهووسين بإزالة التعقيد. ما كان يتطلّب سبع صفحات في منصّاتٍ أخرى، اختصرناه في صفحةٍ واحدة". وقد انعكس هذا التركيز على سهولة الاستخدام مباشرةً في ارتفاع معدّلات التحويل، وتسارع وتيرة النموّ.

ولم تقتصر الدروس على المنتج والتقنية فحسب، بل شكّلت Maktoob مدرسةً مكثّفة في ريادة الأعمال. اكتسب رونالدو خبرةً في عمليّاتٍ كانت لا تزال نادرة في المنطقة، وتعلّم كيفيّة بناء شركاتٍ موجّهة للمستهلك (B2C)، وإدارة علاقات المستثمرين. وقد أدّى مرشدون بارزون، مثل سميح طوقان، وحسام خوري، وفادي غندور، دورًا محوريًا في توجيهه خلال تلك المرحلة.


حلّ معضلة "البيضة والدجاجة"


واجهت Souq.com في بداياتها تحدّي التوزيع. لم تكن العلامات التجاريّة الكبرى مستعدّة للدخول إلى التجارة الإلكترونيّة، فيما كانت ثقافة مراكز التسوّق في أوج ازدهارها، وكان كثيرون يعتبرون البيع عبر الإنترنت فكرةً غير واقعيّة. أمّا الشراكات مع شركات مثل Samsung أو Apple، فكانت بعيدة المنال. يستعيد رونالدو مشحور تلك المرحلة قائلًا: "كنّا صغارًا جدًا، ولم تكن التجارة الإلكترونيّة موجودة أصلًا".

فرض هذا الواقع خيارًا استراتيجيًا واضحًا: البدء من حيث تكون القيمة ملموسةً وفوريّة. وبدلًا من مطاردة العلامات الكبرى، ركّزت Souq على البائعين الأفراد. فبالنسبة إلى تاجرٍ في ديرة يبيع عشرة هواتف يوميًا، كان إدراج منتجاته على Souq والوصول إلى مشترين في أبوظبي أو رأس الخيمة يعني تحقيق إيرادات إضافيّة حقيقيّة، عبر تحويل التجارة المحليّة إلى سوقٍ إقليميّة.

بهذا النهج، حُلّت معضلة "البيضة والدجاجة" في الأسواق الرقميّة من جهة العرض أوّلًا. يصف رونالدو ذلك بـ"بناء النواة"، موضحًا: "كلّ شبكة تحتاج إلى قاعدة مستخدمين أساسيّة". ويستشهد بتجربة Facebook التي بدأت بطلاب Harvard University، ثمّ توسّعت لاحقًا. وبالنسبة إلى Souq، شكّل البائعون الصغار تلك القاعدة الصلبة. أمّا البدء بعلاماتٍ كبرى، فكان سيؤدّي إلى نتيجةٍ عكسيّة: حجم منخفض، وتفاعل ضعيف، وغياب دورة النموّ الذاتي.

ومع تحقيق سيولةٍ كافية في جانب العرض، انتقل التركيز إلى الطلب وتعزيز التفاعل. لم تكن السنوات الأولى منصبّة على التوسّع السريع، بل على تعلّم أساسيات التجارة. ونظرًا إلى غياب قنوات الاستحواذ الحديثة، اعتمدت Souq على المزادات لخلق الإلحاح، وتشجيع الزيارات المتكرّرة، وتحقيق اكتشاف الأسعار. كما عزّزت تنبيهات الرسائل النصيّة القصيرة هذه الدورة، عبر إعادة المستخدمين إلى المنصّة وزيادة النشاط داخل السوق.

ومع ذلك، لم يكن نموذج "من مستهلك إلى مستهلك" (C2C) هو الهدف النهائي. فقد أظهرت البيانات أنّ "من شركة إلى مستهلك" (B2C) يمثّل 90% من التجارة الإلكترونيّة. ويقول رونالدو: "كان علينا ترقية قاعدة البائعين تدريجيًا"، بدءًا من الأفراد، مرورًا بالمحالّ الصغيرة، ثمّ الموزّعين، وصولًا إلى العلامات التجاريّة الراسخة. وقد شكّل هذا المسار المتدرّج خندق الحماية (Moat) الذي ميّز Souq. في المقابل، واجه منافسون حاولوا إطلاق "مجمّع تجاري إلكتروني" منذ اليوم الأوّل صعوبةً في تحقيق الزخم.

ومع نموّ الأحجام، أصبح التركيز ضرورةً لا خيارًا. ففي عام 2010، أغلقت Souq قطاعاتٍ كاملة، من بينها السيارات والعقارات، رغم تحقيقها إيرادات منها. يصف رونالدو القرار بأنّه "الخروج من القمّة المحليّة"، أي النزول من تلّةٍ صغيرة سعيًا إلى اعتلاء جبلٍ أكبر بكثير.


بناء البنية التحتيّة والأدوات داخليًا: الخدمات اللوجستيّة والمدفوعات


مع تسارع نموّ Souq.com، تبيّن أنّ الاعتماد على بنيةٍ تحتيّة خارجيّة لم يعد كافيًا لمواكبة متطلّبات التجارة الإلكترونيّة في المنطقة. فقد انتقلت الشركة من إدارة مبيعاتٍ بعشرات الملايين إلى مئات الملايين، فيما كانت تتعامل مع سلعٍ ماديّة تتطلّب شبكات توصيل فعليّة، لا مجرّد معاملاتٍ رقميّة.

برزت الخدمات اللوجستيّة كأوّل عنق زجاجة. كانت العناوين غير دقيقة، وعمليّات التوصيل بطيئة، والتكاليف مرتفعة. وعند مواسم الذروة، مثل "الجمعة البيضاء" (White Friday)، انكشفت حدود المنظومة القائمة. يقول رونالدو مشحور: "كنّا نبيع بمئات الملايين في يومٍ واحد، ثمّ نقضي أسابيع في التسليم".

استجابت Souq لهذا التحدّي ببناء ذراعٍ لوجستي داخلي، فأنشأت قاعدة بيانات لعناوين العملاء، واستفادت من تقنيّات الهاتف المحمول لإدارة عمليّات التنفيذ (Fulfillment) بكفاءةٍ أعلى. ومن خلال هذا التحوّل، استعاد الفريق السيطرة على السرعة، والموثوقيّة، وقابليّة التوسّع، ما جعل التجارة الإلكترونيّة ذات الأحجام الكبيرة ممكنةً في سوقٍ يفتقر إلى بنيةٍ تحتيّة متكاملة.

غير أنّ التحدّي لم يقتصر على التوصيل، بل امتدّ إلى المدفوعات. كانت البنوك متحفّظة، وغير مهيّأة للهواتف المحمولة، ما جعل "الدفع عند الاستلام" (Cash on Delivery) الخيار السائد. يعلّق رونالدو: "كانت التجربة معطوبة".

ولمعالجة هذه الفجوة، طوّرت Souq نظام PayFort، وهو حلّ مدفوعات صُمّم ليكون موجّهًا للهواتف المحمولة منذ البداية (Mobile-First). بدأ النظام كأداةٍ داخليّة، ثمّ سرعان ما تحوّل إلى منصّةٍ تخدم تجّارًا خارجيّين، وشركات طيران، بل ومنافسين أيضًا.

ومن خلال الفصل بين عمليّات الدفع والتوصيل، أزالت Souq قدرًا كبيرًا من الاحتكاك، وعزّزت أمان المعاملات، ومهّدت الطريق أمام المرحلة التالية من النموّ.


الخروج من Souq


لم يكن خروج Souq.com حدثًا عابرًا، بل نتيجة سنواتٍ من التحضير المنهجيّ والمتعمَّد. ويُرجِع رونالدو مشحور الفضل في ذلك إلى سلسلةٍ طويلة من التفاعلات المؤسّسيّة التي أسهمت في تشكيل طريقة بناء الشركة وحوكمتها.

يقول: "جمعنا تمويلًا من Naspers، ثمّ من Tiger Global، ولاحقًا من Standard Chartered ومؤسسة التمويل الدولية (IFC)؛ وقد فرض هؤلاء المستثمرون مستوى عاليًا من الانضباط".

ودفعت هذه الشراكات Souq إلى العمل بدرجةٍ من الصرامة نادرًا ما شهدتها المنطقة في ذلك الوقت. ويضيف: "كانت غرف البيانات (Data Rooms) لدينا جاهزةً دائمًا، واستثمرنا بكثافة في الامتثال حتى لا يُثار أيّ تساؤل حول كيفية إدارة الأعمال". وقد شكّل هذا النهج عنصرًا حاسمًا عند بدء محادثات الاستحواذ. ويوضح: "إذا كنتَ تُسارع إلى التحضير أثناء المفاوضات، فهذا يعني أنّك لا تفهم عملك بالكامل".

ومع توسّع الشركة، تصاعد الضغط أيضًا من داخل قاعدة المستثمرين. فقد كانت بعض الصناديق تقترب من المراحل الأخيرة في دورات حياتها، وبدأت تبحث عن خياراتٍ للسيولة. جرى تقييم مساراتٍ إقليميّة، والتواصل مع مكاتب عائليّة محلّيّة، وصناديق مرتبطة بجهات سياديّة. غير أنّ اللقاء مع Amazon كشف توافقًا فوريًا.

يستعيد رونالدو تلك اللحظة قائلًا: "منذ الاجتماع الأوّل، كنّا متوافقين بشأن التحدّيات نفسها: أنظمة العناوين، والتوصيل في الميل الأخير (Last-Mile Delivery)، والمدفوعات، وخطط التقسيط، وكيفيّة خدمة العملاء المتعاملين مع البنوك وغير المتعاملين معها".

لم تكن Souq شركةً تعتمد على الإنفاق التسويقي الكثيف، بل كان إنفاقها متوازنًا. ما ميّزها حقًا كان قدرتها على التنفيذ. يقول رونالدو: "كنّا بنّائين. ركّزنا على حلّ مشكلاتٍ حقيقيّة في أسواقٍ ناشئة". وقد منح هذا التركيز Amazon الثقة، ليس فقط في حجم Souq، بل في طريقة بنائها: حوكمةٌ قويّة، ومعرفةٌ تشغيليّة عميقة، وقدرةٌ مثبتة على سدّ فجوات البنية التحتيّة.


بناء Souq مقابل الاندماج مع Amazon


بالنسبة إلى رونالدو مشحور، جاءت إحدى أكثر المراحل تحدّيًا بعد الاستحواذ. يقول: "كان بناء سوق رحلةً طويلة. أجرينا سابقًا عمليات ترحيل تقني، ووازنّا بين نموّ الأعمال وتقليص الدَّين التقني، لكنّ الاندماج مع Amazon كان على مستوى مختلف تمامًا".

تُدير Amazon منظومتها كنظامٍ مترابط بإحكام، كما أنّ معظم استحواذاتها تتركّز على شركات تقنيّة أو تمكينيّة، لا على أسواقٍ إلكترونيّة متكاملة بالحجم الكامل. لذلك خضعت Souq.com لعمليّة انتقال جذري (Hard Cutover)، فقدت خلالها مؤقّتًا جزءًا من مستخدمي التطبيق، وحركة الزيارات، وقاعدة البائعين، بهدف التوافق مع المعايير التشغيليّة والامتثاليّة العالميّة لـAmazon.

تعتمد Amazon في جوهر نموذجها على التعلّم الآلي (Machine Learning)، والعمليّات القائمة على البيانات. غير أنّ ترحيل Souq عطّل تدفّقات البيانات القائمة، وأبطأ وتيرة التقدّم، فيما أضاف اختلاف اللغة طبقةً أخرى من التعقيد.

لم يكن الانتقال تقنيًا فحسب، بل كان شخصيًا أيضًا. يوضح رونالدو: "بصفتك مؤسِّسًا، عليك أن تُطمئن نفسك، وفريقك، وعملاءك، بأنّ هذا هو المسار الصحيح". وقد تطلّب ذلك قناعةً راسخة، وقيادةً حاسمة.

وعند النظر إلى التجربة اليوم، يرى رونالدو أنّ عمليّة الاندماج شكّلت نموذجًا إرشاديًا للمنطقة، إذ أطلقت موجة نموّ جديدة، وأسهمت في تطوير الكفاءات، وأدخلت تقنيّاتٍ عالميّة المستوى إلى الشرق الأوسط.


الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الوكيلة، ونموذج التشغيل القادم


يرى رونالدو مشحور أنّ الذكاء الاصطناعي يمثّل التحوّل الكبير التالي في طريقة بناء شركات التجارة الإلكترونيّة، بحجم التأثير نفسه الذي أحدثته تقنيّات الهاتف المحمول والخدمات اللوجستيّة في العقد الماضي.

يقول: "في السابق، كان العميل يبحث، ويقارن، وينقر. أمّا اليوم، فالوكيل (Agent) هو من يتصرّف نيابةً عن العميل". ويشير بذلك إلى الأنظمة الوكيلة (Agentic Systems) المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي ستتولّى تقييم الخيارات، ومقارنة المفاضلات مثل السعر وسرعة التوصيل، بل وإتمام عمليّات الشراء بصورةٍ مستقلّة.

يفرض هذا التحوّل على شركات التجارة الإلكترونيّة إعادة التفكير في أسسها التشغيليّة. فإذا أصبح وكيلٌ ذكيّ هو من يختار المنتج، فلن تتحقّق الرؤية من خلال العلامة التجاريّة وحدها، بل عبر الموثوقيّة. ستفوز الشركات التي تضمن دقّة مواعيد التسليم، وانتظام عمليّات التنفيذ، وشفافيّة التسعير، وثبات جودة المنتجات. ويؤكّد رونالدو: "يجب أن يُبنى النظام على الدقّة، لأنّ هامش الخطأ يصبح أصغر بكثير".

ومن وجهة نظره، لن يكون الفائزون هم من يضيفون الذكاء الاصطناعي كميزةٍ سطحيّة، بل من يعيدون تصميم نموذجهم التشغيلي بالكامل حوله. ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين توزيع المخزون، والتنبّؤ بالطلب، وتقليل إخفاقات التوصيل، وأتمتة اتّخاذ القرار عبر سلسلة الإمداد وعمليّات خدمة العملاء.

ويخلص رونالدو إلى أنّ العقلية التنفيذيّة التي ميّزت نموّ Souq.com في بداياتها — أي حلّ فجوات البنية التحتيّة بانضباطٍ وواقعيّة — ستصبح أكثر أهميّةً في عالم تجارةٍ تقوده أنظمة الذكاء الاصطناعي.


الدروس المستفادة ونصائح للمؤسِّسين


يشدّد رونالدو مشحور على أنّ بناء شركة ليس مسارًا استراتيجيًا فحسب، بل هو رحلةٌ شخصيّة بقدر ما هو مشروع أعمال. وفي صلب هذه الرحلة، تبرز المرونة.

يقول: "ما يحدّد قدرتك على التوسّع أو فشلك في ذلك هو الإصرار. يجب أن تكون عنيدًا ومرنًا في آنٍ معًا؛ فلا طريق آخر لتجاوز التحدّيات".

ويتحدّث بصراحةٍ عن الوحدة التي ترافق مسار المؤسِّس. "الكثير من المسؤوليات يقع على عاتقك. في البدايات، لم يكن لديّ شركاء مؤسِّسون أتبادل معهم الأفكار أو أتحدّاهم بها. كان لدينا مرشدون، لكن لم يكن أحد معنا في الميدان". ومع مرور الوقت، تعلّم كيف يسدّ هذه الفجوات عبر بناء فريق قيادةٍ متكامل، يضمّ كفاءاتٍ مكمّلة في وظائف مختلفة.

ويرى أنّ سوء الفهم جزءٌ طبيعي من اللعبة. "معظم الناس لن يفهموا ما تفعله في البداية. عندما تركتُ العمل العائلي لأبني مشروعًا في التجارة الإلكترونيّة، اعتبره الجميع مجرّد هواية. لا بأس بذلك؛ إذا لم يُساء فهمك في المراحل الأولى، فربّما لا تفعل شيئًا جديدًا".

وقبل كلّ شيء، يؤكّد على المثابرة. "تدخل الاجتماعات وأنت تعلم أنّ الإجابة ستكون "لا" في 90% من الأحيان. ومع ذلك، تذهب. تكرّر المحاولة، وتعدّل المسار، وفي النهاية، تجد طريقًا إلى الأمام".

كن في الطليعة

انضم إلى مجتمعنا المتنامي من عشاق التكنولوجيا، ولا تفوّت أي قصة، أو رؤية، أو تحديث حول التمويل في قطاع التكنولوجيا المزدهر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.